أحمد بن يحيى العمري

295

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

مملوك الصاحب . فقال : قولوا له : هذه البيوت ما جعلت إلا للفقهاء ، والفقراء ، ومزاحمتك لهم وأنت من الجند الأغنياء ما يحل ، فدع هذا البيت لمستحق . فقالوا له ، فلم تفد . فبعث يقول لسيده ذلك ، فما أفاد ، فغضب غضبا عظيما ، وحنق حنقا مفرطا ، واحمرّت عيناه ، وقامت أوداج رقبته ، وقال : إن كنت تلتقي يا ابن القلانسي التق ، فوالله ما أصبر ! . ثم بقي يقول : انقضى الشغل . قال : فاتفق ما كان من إمساك كراي لابن القلانسي ، وتضييقه التضييق الشديد عليه ، فلما كان بعد مدة ، رأيت أيدمر مملوك ابن القلانسي في ذل ، مجرورا بين الأعوان ، يكاد يسحب على وجهه ، فرحمته ، وذكرت قول الشيخ ، فأتيته ، فصادفته منبسطا ، فقلت : يا سيدي ! أنتم أهل رحمة وخير ، وذكرت له حال ابن القلانسي ، ولم أزل به حتى رقّ له ، ودمعت عيناه ، وقال : والله ما هذا النائب عن كراي إلا من الجبابرة ، وهو أولى بنزول البلاء ، اللهم فرّج عن ابن القلانسي ، وأنزل بكراي ما أراد أن ينزل به من البلاء . قال : فوالله لم يمض إلا أسبوع حتى أمسك كراي ، وآل أمر ابن القلانسي إلى الصلاح ، ثم إلى الفرح . وحدّثتني الحاجة صفية أخت البطاحي ، وكانت ثقة ، قالت : لما نزلت التتار على الرحبة ، تعني سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، واشتد بالناس الأمر ، وكثر الجفال ، وتأخر العسكر المصري ، عدمت القرار ، وكنت أطلب الدعاء للمسلمين من كل من أعتقد فيه الصلاح ، فاشتد الخوف بنا يوما ، وكثرت الأراجيف ، فأتيت أخت الشيخ علي السقباوي ، وكانت في بيت إلى جانب بيته ، فقلت لها : لو قلت للشيخ ليدعو للناس ، فإنهم في خوف عظيم وشدة ، وإلى الساعة ما صحوا من نوبة غازان . فقامت وأخذتني معها ، وقالت : يا أخي ! هذه امرأة مباركة ، وقد قالت لي : كذا وكذا ، فقال : يدبّر الله ، يدبّر الله ، وطرأ عليه حال ما استطعنا معه الثبات على المقام عنده ، فخرجنا إلى بيت أخته ، وجلسنا به هنيهة ، نتحدّث في أحوال الناس ، وإذا به قد صاح صيحة عظيمة منكرة ، فقامت أخته إليه مزعجة ، وقمت خلفها ، فسمعته يقول : ائتني بخرق ليحشي به هذا الجرح ، فهبت فأتيته بخرق ، فكشف لها عن جرح دون ترقوته ، قدر شبر ، فقالت له : يا أخي ! من أين هذا ؟ . فقال : هذا